ميرزا حسين النوري الطبرسي
89
جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة ( ع )
نفسي أن تطلع من رائحتها الكريهة فما كان بأسرع من أن ذاب لحمها ، وسال في البحر ، وبقي عظامها كسلم ثابت في الأرض يمكن الصعود منه . فتفكرت في نفسي ، وقلت : إن بقيت هنا أموت من الجوع فتوكلت على اللّه في ذلك ، وصعدت منها حتّى علوت الجبل ، وسرت من طرف قبلة الجبل فإذا أنا بحديقة بالغة حد الغاية في الغضارة والنضارة والطراوة والعمارة فسرت حتّى دخلتها وإذا فيها أشجار مثمرة كثيرة ، وبناء عال مشتمل على بيوتات ، وغرف كثيرة في وسطها . فأكلت من تلك الفواكه ، واختفيت في بعض الغرف وأنا أتفرج الحديقة وأطرافها فإذا أنا بفوارس قد ظهروا من جانب البر قاصدي الحديقة ، يقدمهم رجل ذو بهاء وجمال وجلال ، وغاية من المهابة ، يعلم من ذلك أنه سيدهم ، فدخلوا الحديقة ، ونزلوا من خيولهم وخلوا سبيلها ، وتوسطوا القصر فتصدر السيد وجلس الباقون متأدبين حوله . ثمّ أحضروا الطعام ، فقال لهم ذلك السيد : إن لنا في هذا اليوم ضيفا في الغرفة الفلانية ولابد من دعوته إلى الطعام . فجاء بعضهم في طلبي فخفت وقلت : اعفني من ذلك ، فأخبر السيد بذلك . فقال : اذهبوا بطعامه إليه في مكانه ليأكله ، فلما فرغنا من الطعام ، أمر باحضاري وسألني عن قصتي ، فحكيت له القصة ، فقال : أتحب أن ترجع إلى أهلك ؟ قلت : نعم . فأقبل على واحد منهم ، وأمره بايصالي إلى أهلي ، فخرجت أنا وذلك الرجل من عنده . فلما سرنا قليلا قال لي الرجل : انظر فهذا سور بغداد ! فنظرت إذا أنا بسوره وغاب عني الرجل ، فتفطنت من ساعتي هذه ، وعلمت أني لقيت سيدي ومولاي عليه السّلام ، ومن سوء حظي حرمت من هذا الفيض العظيم ، فدخلت بلدي وبيتي في غاية من الحسرة والندامة .